حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها والآية القرآنية التي نزلت لتبرئتها
حديث الإفك عن عائشة

لم تكن حادثة الإفك التي حدثت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة حادثة عاديةٍ مرت مرور الكرام، بل قد ورد فيها حديث الإفك عن عائشة -رضي الله عنها- تشرح فيه ما كان من خبر هذه الحادثة، وسوف نفصل في طيات موضوعنا هذا الذي يُقدمه لكم موقع تثقف ما ورد في هذا الحديث من خبرٍ، وكيف برأ الله -تعالى- أم المؤمنين عائشة من فوق سبع سماوات؟

حديث الإفك عن عائشة

تبدأ أم المؤمنين حديثها عن تلك الحادثة بذكر عادةٍ كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل سفر كان يمضي فيه، وهي أنه كان يقترع بين أزواجه فترمي كل منهن بسهمها، ومن يخرج سهمها فإنها تمضي معه في ذاك السفر.

حتى جاءت غزوة بني المصطلق في العام الخامس للهجرة؛ فاقترع النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه فخرج سهم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-.

فلما انقضت الغزوة واستعد الجيش للرحيل، ذهبت أم المؤمنين لقضاء حاجتها في مكانٍ بعيدٍ عن الجيش، فلما انقضى ذلك تحسست صدرها فلم تجد عُقدًا كانت تلبسه في عنقها، فمضت تبحث عنه حتى غادر الجيش أرض الغزوة عائدين إلى المدينة.

وقد كانت أم المؤمنين تٌحمل في هودجٍ حتى لا يكشف سترها، فلما تجهز الجيش للرحيل، حمل بعضهم الهودج ورمضوا راحلين مع الجيش وقد شعروا أن عائشة –رضي الله عنها- بداخله فلم يسألوا عنها، وتقول أم المؤمنين عن ذلك: “وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وإنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ”.

استمرت أم المؤمنين تبحث عن عقدها حتى وجدته وقد مضى الجيش راجعًا إلى المدينة، فلما علمت ذلك ظلت مكانها لعل الجيش يعود ويتفقدها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل صفوان بن معطل السلمي أن يبقى حتى يتفقد الجيش ويجمع مخلفاته ثم يلحق بالجيش من ورائهم.

فلما كان صفوان يقوم بما كلفه به النبي صلى الله عليه وسلم، إذ رأى ظل إنسانٍ نائم، وكانت عائشة رضي الله عنها نائمةً، فدخل صفوان يستطلع من ذلك الشخص، فرأى أم المؤمنين -وكان يعرفها قبل الحجاب- فغطت وجهها فور رؤيته وأدار هو الآخر وجهه وأناخ راحلته.

صعدت أم المؤمنين على ظهر الراحلة وأمسك صفوان بزمام الراحلة ومضيا في طريقهما للحاق بالجيش.

عبدالله بن أبي بن سلول وعلاقته بالإفك

لحق صفوان وعائشة -رضي الله عنهما- بالجيش وبلغا معهم المدينة، فأشعل فكرة زنا أم المؤمنين مع صفوان في خاطر القوم رجلٌ يدعى عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن عائشة رضي الله عنها لما قدمت المدينة مرضت مرضًا شديدًا أقعدها شهرًا في بيتها، فكانت لا تشعر بما يدور حولها، إذ كان الناس يتحدثون بقول أصحاب الإفك، ولكن لم يكن ذلك يشغل بالها إطلاقًا، فلم تكن تريد أن تعلم ما يدور في المدينة من أحداث، بل كان ما يهمها هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد يريها الرفق الذي اعتادت عليه منه.

فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في حديثها عن تلك الحادثة: “ويَرِيبُنِي في وجَعِي، أنِّي لا أرَى مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللُّطْفَ الذي كُنْتُ أرَى منه حِينَ أمْرَضُ، إنَّما يَدْخُلُ فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُمْ، لا أشْعُرُ بشيءٍ مِن ذلكَ”.

شاهد أيضًا: حديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحديث الشفاعة عن أبي هريرة رضي الله عنه

علم أم المؤمنين بما يقوله الناس من الإفك

تحكي عائشة -رضي الله عنها- أنها لما استفاقت من مرضها، خرجت مع الصحابية أم مسطح بغرض قضاء الحاجة، وقد كانت الناس إذا أرادوا قضاء حاجتهم رحلوا إلى مكانٍ بعيدٍ لا يراهم فيه أحدٌ وقضوا حاجتهم فيه، كما أنهم كانوا يخرجون في الليل كذلك.

وبينما أم مسطحٍ تمشي مع عائشة إذ قالت أم مسطحٍ لها: “تَعِسَ مِسْطَحٌ” أي: شقي وهلك؛ فردت عائشة فقالت: “بئْسَ ما قُلْتِ، أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا!”، فَقَالَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ: “يا هَنْتَاهْ، ألَمْ تَسْمَعِي ما قالوا؟”، فأخبرتها بقول أهل الإفك.

تقول عائشة: “فَازْدَدْتُ مَرَضًا علَى مَرَضِي”، ثم عادت عائشة إلى بيتها فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعادته آنذاك: “كيفَ تِيكُمْ”، فردت أم المؤمنين بأن قالت: ” ائْذَنْ لي إلى أبَوَيَّ” (وقد كانت حينذاك تريد التيقن من الخبر من قبلهما)، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغادرت إلى بيت أبويها.

بكاء عائشة رضي الله عنها

غادرت عائشة -رضي الله عنها- إلى بيت أبويها فاستفت أمها قائلةً لها: “ما يَتَحَدَّثُ به النَّاسُ؟”، ففهمت أمها أن عائشة -رضي الله عنها- قد علمت بما يقوله بعض الناس من الإفك، فأرادت أن تهون على ابنتها ما سمعته مما يقوله الناس عنها بأن قالت لها: “يا بُنَيَّةُ هَوِّنِي علَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّما كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ولَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكْثَرْنَ عَلَيْهَا”.

تقول عائشة: “فَقُلتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، ولقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بهذا”، فلم تبت عائشة تلك الليلة على حسب ما ذكرته في هذا الحديث إلا وهي لا تنفك تبكي على ما يقوله عنها الناس من إفكٍ وزورٍ وبهتان ازدروه طعنًا في عِرْض رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل منه.

فلم يكن المقصود من هذه الحادثة النيل من شرف عائشة رضي الله عنها فحسب، بل كان المقصود من ذلك هو تحطيم شرف النبي صلى الله عليه وسلم ذاته وهدم رسالة النبوة في مهدها.

الله يبرأ عائشة من فوق سبع سماوات

مكثت عائشة رضي الله عنها عند والديها حتى جاءها النبي صلى الله عليه وسلم وكان الوحي منقطعًا عنه منذ شهرٍ كاملٍ، فلما جاء بيت عائشة حدث له ما كان يحدث له كل ما نزل عليه الوحي.

فلما سُرِّي عنه كان أول ما قاله صلى الله عليه وسلم: “يا عَائِشَةُ احْمَدِي اللَّهَ، فقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ”، فلما سمعت ذلك أم عائشة رضي الله عنها قامت إلى عائشة فقالت لها: “قُومِي إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ”، فقالت عائشة لها وقد كانت حزينة على ما كان الناس يتحاكون به من طعنٍ في عرضها: “لا واللَّهِ، لا أقُومُ إلَيْهِ، ولَا أحْمَدُ إلَّا اللَّهَ”.

وقد أنزل الله على نبيه آنذاك قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة في براءة أم المؤمنين عائشة مما اتهمه بها المنافقون وما زال يتهمه بها أحفادهم من الشيعة إلى يومنا هذا، فأنزل الله الآيات من قوله -تعالى-: (إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ)، إلى قوله -تعالى-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) “النور – من الآية 10 إلى 20”.

وتحكي عائشة بعد ذلك عن تلك الحادثة وتقول: “فَاضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وأَنَا حِينَئِذٍ أعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِي، ولَكِنِّي واللَّهِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ في شَأْنِي وحْيًا يُتْلَى، ولَشَأْنِي في نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِن أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلَى، وأَنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ} العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا” (صحيح البخاري – 7545).

فقد كانت رغم عظم شأنها عند المؤمنين تظن أن نزول قرآنٍ في أمرها لهو كثيرٌ عليها آنذاك، ولكن ذلك لم يكن إلا فضلٌ من الله -تعالى- ورحمةٌ شفت صدور جميع المؤمنين حينها مما تسبب المنافقون في صدعه، فرحم الله أم المؤمنين عائشة وجمعنا مع زوجها نبي الله على الحوض يوم القيامة.

يمكنكم الاطلاع على نص حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها من هنا.

إلى هنا نكون قد أتممنا حديثنا عن شرح حديث الإفك عن عائشة وذكر تفاصيل حادثة الإفك التي أشعلها المنافقون للطعن في أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، آملين أن نكون قد قدمنا لكم معلوماتٍ مفيدةً حول هذا الموضوع، وأن نكون قد نجحنا في الرد على تساؤلاتكم حوله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.