خلع أبو خالد حذاءه الإيطالي كي لا يحدث ضجيجًا فوق الأرضية الخشبية، وتقدم ببطء نحو الأبواب المزدوجة للصالون، التي كانت مواربة بضع سنتيمترات فقط.
كان قلبه يخفق بعنف حتى خشي أن يُسمع في أنحاء القصر.
التصق بالحائط ونظر من الشق، مستعدًا لأن يصرخ… وأن يطرد أم ناصر… وأن يتصل بالشرطة إن لزم الأمر.
لكن المشهد الذي انكشف أمام عينيه شلّ كل عضلة في جسده، وقطع أنفاسه، وترك عقله معلقًا فوق
هاوية من الذهول المطلق.
كان الصالون — الذي كان عادة أشبه بمتحف لأثاث فاخر ممنوع لمسه — غير قابل للتعرف.
السجاد الفارسي الباهظ أُبعد ولفّ في زاوية بعيدة.
وفي وسط الأرضية الخشبية المصقولة، كانت أم ناصر وخالد جالسين متقابلين كما لو أنهما داخل جلسة تأمل.
لكن ما كان يحيط بهما لم يكن كتبًا تعليمية… ولا أجهزة لوحية… ولا بطاقات ملونة برسومات الحيوانات.
بل كانت هناك فوضى مدهشة من أدوات المطبخ:
قدور بأحجام مختلفة.
وصوانٍ نحاسية.
وعلب بلاستيكية مليئة بالأرز.
وملاعق خشبية.
وخفاقات معدنية.
وأغطية قدور متناثرة كأنها كنوز.
كانت أم ناصر مغمضة العينين، وعلى وجهها ابتسامة هادئة.
وفي يدها ملعقتان خشبيتان.
همست بصوت بدا كأنه لحن صافٍ:
— اسمع يا خالد… البيت له قلب. والبيت مو ساكت… البيت يغني.
ثم ضربت برفق قدرًا كبيرًا:
دوم…
ثم مررت الخفاقة المعدنية فوق صينية نحاسية:
شششششش…
ثم طرقت بخفة على علبة بلاستيكية:
تك.
دوم… شششششش… تك.
ومن خلف الباب، شعر أبو خالد بموجة غضب أولى.
ألهذا يدفع كل تلك الأموال…؟
لتجلس مع ابنه وتعبث بأواني المطبخ…؟
كاد يندفع إلى الداخل وينهي هذه المهزلة…
ثم رأى خالد.
لم تكن نظرة الطفل شاردة كعادتها.
بل كانت عيناه — اللتان طالما بدتا زجاجيتين وبعيدتين — مثبتتين على يدي أم ناصر بتركيز لم يره أبو خالد من قبل.
كان هناك شيء جديد في وجه ابنه.
شيء يشبه الحياة.
شيء يشبه الفضول.
شيء يشبه الفرح.
قالت أم ناصر بلطف وهي تناوله الملعقتين:
— الحين دورك يا بطل… قول لي وش تحس فيه اليوم. مو لازم كلمات… يكفي صوت.
أمسك خالد الملعقتين.
ارتجفت يداه قليلًا.
ليس خوفًا…
بل حماسًا.
حبس أبو خالد أنفاسه.
هيا يا ولدي…
لكنه كان يخشى الفشل المعتاد.
كان يخشى أن يرى ابنه يعود إلى قوقعته الصامتة في أي لحظة.
لكن خالد لم يُسقط الملعقتين.
أغمض عينيه مقلدًا أم ناصر.
ثم ضرب.
لم يكن الصوت عشوائيًا.
ولم تكن حركة طفل يعبث.
بل أعاد الإيقاع نفسه تمامًا:
دوم… شششششش… تك.
ثم أضاف شيئًا جديدًا.
طرق مرتين بسرعة على غطاء قدر، فصدر صوت حاد مرح:
تنغ… تنغ!
فتحت أم ناصر عينيها فجأة، وانفجرت ضاحكة وصفقت بفرح حقيقي:
— إي والله! هذا هو! هذا صوت الفرح يا خالد!
ابتسم الطفل.
وكانت ابتسامة واسعة صادقة أضاءت وجهه، ومحت سنوات كاملة من التشخيصات القاسية.
لكن أم ناصر لم تتوقف.
انحنت نحوه وأمسكت يديه برفق.
وقالت:
— الموسيقى هي أول لغة بالدنيا يا خالد. قبل لا البشر يتكلمون كانوا يدقون الطبول. أنت عندك موسيقى بداخلك… وإذا عندك موسيقى، بيصير عندك كلام. لأن الكلام بالنهاية مجرد موسيقى طالعة من القلب.
ثم سحبت دفترًا صغيرًا قديمًا مهترئًا من الأرض.
فتحته.
لم يكن مليئًا بالكلمات…
بل برسومات بسيطة بألوان شمعية:
شمس.
وقطة.
ورجل طويل يرتدي شماغًا أسود.
سألت وهي تشير إلى الرسم:
— تتذكر وش قلنا؟ هو مو موجود الحين… بس قلبه هنا. كيف تتوقع صوته؟
نظر خالد إلى رسم والده.
ومن خلف الباب، شعر أبو خالد بعقدة مؤلمة تخنق حلقه حتى اضطر أن يسند نفسه إلى إطار الباب كي لا يسقط.
رأى نفسه في الرسم…
رجلًا طويلًا بعيدًا… ومخيفًا قليلًا.
أمسك خالد الملعقة الخشبية.
وضرب القدر الكبير ببطء وثبات:
دوم…
دوم…
دوم…
ابتسمت أم ناصر وقالت:
— قوي… أبوك قوي. مثل الشجرة الكبيرة. لكن حتى الشجر الكبير عنده أوراق ناعمة.
ثم وضعت يدها فوق حنجرتها وقالت له بهدوء:
— يلا… خلنا نستعمل الآلة اللي الله حاطها بداخلك. لا تخاف. محد يحاكمك هنا. إحنا بس… أنا وأنت
والصوت.
أخذ خالد نفسًا عميقًا.
انتفخ صدره الصغير.
فتح فمه.
في البداية…
لم يخرج أي شيء.
أغمض أبو خالد عينيه وهو يتوسل بصمت:
“تكفى يا رب…”
ثم…
🔥 باقي القصة في الصفحة التالية رقم 4… وهنا ستسمع الكلمة التي لم يصدق أبو خالد يومًا أن ابنه سيقولها.
تعليقات