خرج صوت متقطع أجش:
— باا…
لم تصححه أم ناصر.
ولم تقل له: “أعد”.
اكتفت بالإيماء له بتشجيع، ومنحته بعينيها ثقة بلا حدود.
كرر خالد بصوت أقوى قليلًا:
— باا…
ثم حدثت المعجزة.
لم تكن جملة كاملة.
ولم تكن خطبة طويلة.
بل كان الأمر أشبه بانهيار سد ظل مغلقًا لسنوات.
— بابا… بابا.
بقيت الكلمة معلقة في هواء الصالون…
أغلى من كل صفقات أبو خالد.
وأثمن من كل ما يملكه داخل خزائنه.
ثم قال خالد وهو يشير إلى الرسم الصغير:
— بابا يجي… بابا يشتغل… بابا يحبني.
مسحت أم ناصر دمعة سالت على خدها، ثم احتضنت الطفل بقوة وقالت:
— إي والله يا حبيبي… أبوك يحبك أكثر من الدنيا كلها. وإذا سمعك الحين… قلبه بيدق دوم دوم دوم مثل
الطبل.
لم يستطع أبو خالد الاحتمال أكثر.
انهار كل ذلك الجدار الذي بناه داخله طوال سنوات.
دفع الباب هذه المرة…
لكن ليس بغضب.
بل بيأس يشبه الرجاء.
وما إن فُتح الباب حتى قفزت أم ناصر مذعورة.
وقفت بسرعة، وعدلت مريولها كطفلة تم ضبطها وهي تعبث.
وقالت مرتبكة:
— يا أبو خالد! والله ما سمعت السيارة… أنا آسفة… أعرف المكان شكله فوضى… الحين أشيل كل شيء… بس تكفى لا تزعل من خالد… الفكرة كانت فكرتي أنا…
كانت تتحدث بسرعة وخوف.
خائفة على عملها.
وخائفة من غضب الرجل الذي يملك كل شيء.
لكن أبو خالد…
لم يكن ينظر إليها أصلًا.
كان قد سقط على ركبتيه عند العتبة.
بثوبه المتجعد.
وشماغه المنزلق قليلًا.
والدموع تسيل بحرية على وجهه دون أن يحاول إخفاءها.
وعندما رأى خالد والده يبكي على الأرض…
لم يهرب.
لقد أثمرت كلمات أم ناصر:
“الشجرة القوية عندها أوراق ناعمة.”
نهض خالد ببطء.
ومشى نحو والده بجواربه الملونة.
حتى توقف أمامه تمامًا.
رفع أبو خالد رأسه، والدموع تعمي عينيه.
وهمس بصوت مكسور:
— خالد…
رفع الطفل يده الصغيرة.
ولمس خد والده المبلل بالدموع.
ثم قال بوضوح رنّ داخل القصر كله كأنه جرس:
— بابا حزين… لا حزين… خالد يتكلم.
في تلك اللحظة…
خطف أبو خالد ابنه إلى صدره بعناق عنيف.
دفن وجهه في عنق الطفل الصغير.
يستنشق رائحته.
يشعر بحرارته.
يشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن ابنه حي فعلًا بين ذراعيه.
وبكى…
بكى كل شيء لم يبكه منذ زمن.
بكى على زوجته.
وبكى على وحدته.
وبكى على السنوات التي ضاعت منه.
وبكى امتنانًا.
حاولت أم ناصر أن تنسحب بهدوء نحو المطبخ لتترك لهما خصوصية اللحظة…
لكن أبو خالد، دون أن يترك ابنه، مد يده نحوها وقال بصوت أجش:
— لا تروحين… تكفين… لا تروحين.
وفي ذلك اليوم…
تغير قصر العتيبي إلى الأبد.
لم يعد أبو خالد إلى مكتبه.
ظل الهاتف يرن حتى انطفأت بطاريته فوق الطاولة.
خلع سترته.
ورفع أكمام ثوبه.
وجلس على الأرض بين القدور والملاعق البلاستيكية.
ثم نظر إلى أم ناصر وقال بصوت رجل يعترف أخيرًا بضعفه:
— علميني… تكفين علميني. أنا ما أعرف كيف أكون أب. ما أعرف كيف ألعب… ولا كيف أوصل له.
وهناك…
تحولت عاملة التنظيف البسيطة إلى معلمة لرجل الأعمال الشهير.
علمتهم أم ناصر أن الحياة لا تُقاس بالأرباح…
بل بالنبضات.
وعلمتهم أن الخطأ ليس فشلًا…
بل جزء من اللحن.
تعلم أبو خالد كيف يطرق القدور.
وكيف يصنع أصواتًا مضحكة.
وكيف يتخلى عن هيبته… ليكسب قلب ابنه.
واكتشف أن خالد لم يكن صامتًا لأنه عاجز…
بل لأنه شديد الحساسية.
كان العالم متعبًا له.
وكانت الضغوط التي تحاول جعله “طبيعيًا” قد أخافته أكثر.
أما أم ناصر، وبحدسها البسيط…
فقد فهمت أن الوصول إلى صوت خالد لا يبدأ بالأوامر…
بل بالدخول إلى صمته، وملئه بالأمان والموسيقى.
ومع مرور السنوات…
غيّر أبو خالد حياته بالكامل.
فوّض إدارة شركاته.
وقلّص ساعات عمله.
وأصبح يعود إلى البيت كل يوم عند الرابعة عصرًا دون تأخير.
لم يصبح خالد خطيبًا مفوهًا…
لكنه صار شابًا هادئًا يعزف العود ببراعة مذهلة، ويقول بالموسيقى ما تعجز الكلمات عن قوله.
وعاشت أم ناصر معهم حتى آخر أيامها…
لا كموظفة.
بل كالجدة التي احتاجها خالد…
والأم التي افتقدها أبو خالد.
وبعد سنوات طويلة، سأله صحفي شاب خلال مقابلة تلفزيونية:
— أبو خالد… أنت بنيت إمبراطورية ضخمة. ما أكثر لحظة غيّرت حياتك؟ هل كانت صفقة كبرى؟ أم
توسعك بالخليج؟
ابتسم أبو خالد ابتسامة هادئة امتلأت بالتجاعيد والسلام.
ثم هز رأسه وقال:
— لا يا ولدي… أهم لحظة بحياتي كانت عصر يوم ثلاثاء عادي… يوم رجعت البيت بدري وأنا ناوي أطرد عاملة بسيطة… وانتهى فيني الأمر وأنا أطرد كبريائي أنا.
صمت قليلًا…
ثم أكمل وهو ينظر إلى الحديقة، حيث كان خالد يعزف لحنًا هادئًا لأطفاله:
— يومها تعلمت إنك لو فتحت الدنيا كلها وخسرت بيتك… فأنت ما ربحت شيء. وتعلمت أن المعجزات ما تصير بغرف الاجتماعات… المعجزات تصير أحيانًا على أرضية صالون، مع قدر مطبخ… وقليل من الحب.
ثم ابتسم وهو يتابع عزف ابنه وقال بهدوء:
— الثروة الحقيقية… أن يكون في حياتك شخص يعلمك كيف تسمع صمت من تحب… قبل يفوت الأوان، وما عاد تقدر تسمع صوته أبدًا.
تعليقات