من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف
من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف

ترتيب القرآن بين التوقيف والتوفيق وإذا كان توفيق إذًا من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف، من الأمور التي دار فيها النقاش طويلًا بين العلماء؛ إلا أنهم وصلوا إلى الرأي الفاصل من السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

التوقيف في الترتيب هو أن يكون من عند الله، وأخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، والتوفيق هو أن يكون الترتيب قام به أحد من رأيه بتوفيق من الله -تعالى-، على موقع تثقف في هذا الموضوع سنتناول هذا المبحث بالأدلة التي أوردها الفقهاء.

من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف؟

حين البحث عن إجابة سؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف لا نرد أنه له إجابة من الأساس؛ ذلك لأن القرآن الكريم لم يرتبه على هذا الترتيب بشر، بل كان الترتيب توفيقيًا من الله -تعالى-.

فالله تعالى أمر أنزله على نبيه مفرقًا وبين ذلك في سورة الإسراء: “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106)” وفي سورة الفرقان قال: ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)”.

فكان القرآن الكريم ينزل فقرة بعد فقرة حسب الوقائع، ولم يتم جمعه في مصحف واحد في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان جمع القرآن على الوجه التالي:

شاهد أيضًا: ماهو الفرق بين النبي والرسول والقواسم المشتركة بينهم

المرحلة الأولى في جمع القرآن

المرحلة الأولى في جمع القرآن بدأت في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أنه لم يكن مجموع في مصحف واحد كما بينا، بل كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها حسب الترتيب الذي أمرهم به الله ووضع كل آية في مكان خاص في سورتها.

فكان للرسول -صلى الله عليه وسلم- كتاب كثيرون معروفون باسم (كتاب الوحي)، إلا أن لضيق مساحة الخامات المتوفرة للكتابة؛ كان يتم كتابة الآيات مبعثرة على قطع الجلد أو على الخشب أو الأكتاف (العظام) أو الرقاق أو العسب (قطع عريضة من جريد النخل).

فكان الجمع في تلك المرحلة فقط لزيادة التأكيد، فكان الصحابة يحفظون القرآن في صدورهم عن ظهر قلب، وكان التعويل عليه في ذلك الحين.

المرحلة الثانية في جمع القرآن

المرحلة التالية هي عندما جمع القرآن في عهد الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- في مصحف واحد، وكان مرتب على ترتيب العرض الأخير (سنتناوله لاحقًا)، وكان الغرض من هذا الجمع توثيق القرآن وتسجيله خشية ضياعه باستشهاد حفظة القرآن في حروب الردة.

سيدنا عمر بن الخطاب هو من أشار على أبو بكر بهذا الرأي بعد أن كثر القتل في حملة القرآن في حرب اليمامة، ورفضه في البداية إلا أنه وافق في النهاية.

فأمر الصحابي “زيد بن ثابت” -رضي الله عنه- أن يتبع القرآن فيجمعه، فكانت الصحف التي تم جمع بها القرآن عند سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- طوال حياته حتى مات، فتم نقلها إلى سيدنا عمرو بن الخطاب طوال حياته حتى مات، ونقلت إلى بيت السيدة “حفصة بنت عرو ابن الخطاب” -رضي الله عنها- عن أبيها.

المرحلة الثالثة في جمع القرآن

بعد ذلك توسعت الرقعة الإسلامية بشدة في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومن بعده سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فظهر اختلاف بين قراء الأقطار المختلفة عندما اجتمعوا في الجهاد.

عندها شعر عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بالخطر، وأمر بجمع القرآن كله في مصحف واحد، وكان المصحف الذي جمعه أبو بكر -رضي الله عنه- (الذي كان عند السيدة حفصة) هو إمامهم في الجمع.

من جمع القرآن في هذه المرحلة هم القراء الذين تعلموه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسن لهم عثمان بن عفان طريقة التدوين في هذه المصاحف وما يؤخذ وما لا يؤخذ، وعليها اجتمع كل الصحابة الذين عاصروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووافقوا عليه.

بعد ذلك تم حرق كافة المصاحف الأخرى وتوزيع مصاحف سيدنا عثمان على الأمصار وتم نسخها، وإلى يومنا هذا ندين بالفضل إلى المصحف العثماني الذي تم نسخه إلى أن وصلنا.

قصة القرآن في عهد عثمان

في صحيح البخاري 4987 ورد عن أنس ابن مالك أن سيدنا حُذَيْفَةَ بنَ اليَمَانِ كان مع أهل الشام في فتح أرْمِينِيَةَ، وأَذْرَبِيجَانَ وكان الجيش مختلط مع أهل العراق أيضًا، فأفزعه اختلافهم في قراءة القرآن، وقال لسيدنا عثمان بن عفان: “يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أدْرِكْ هذِه الأُمَّةَ، قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنَّصَارَى”

فأرسل سيدنا عثمان بن عفان إلى السيدة حفصة أن ترسل إليه المصحف الذي عندها ليتم نسخه، وبعد ذلك يرجعه إليها، فأرسلت السيدة حفصة المصحف الذي عندها لسيدنا عثمان، فكون لجنة مكونة من:

  • زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ.
  • عَبْدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيْرِ.
  • سَعِيدَ بنَ العَاصِ.
  • عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ.

بعد ذلك أعاد سيدنا عثمان المصحف إلى السيدة حفصة، وأرسل إلى الأفاق الإسلامية مصاحف من المنسوخة، وأمر كل من لديه مكتوب من القرآن دون ذلك أن يحرق، واجتمع الصحابة الحاضرين على هذا الرأي.

عن هذا الفعل الذي قام به سيدنا عثمان قال سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-: ” لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان”.

تناقل القرآن

بعد أن عرفنا إجابة سؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف، إذا فكيف وصل إلينا القرآن بطريقة القراءة هذه؟

بالطبع هذا الجمع كان في الكتابة، لكن في نقل القرآن كل جيل إلى آخر كان بطريقة التواتر، وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- علم الصحابة، وهم علموا التابعين، والتابعين علموا تابعي التابعين، وهكذا ينتقل القرآن من صدر إلى صدر ويتناقل بين الناس، بحيث لا يمكن أبدًا أن يجتمع الكل على نفس الخطأ.

كما يقول العلماء “لا تأخذ العلم من صُحُفي ولا القرآن من مُصحفي”  فالقرآن لا يمكن أن تتعلمه إلا عن طريق شيخ يقرأ لك وتقرأ عليه ويصحح أخطائك، ولذلك هناك إجازة في القراءة والحفظ، وهي سلسلة القراء الذين قرأوا على بعض حتى تصل للصحابة ومن بعده النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جبريل.

اقرأ أيضًا: كم عدد السجدات في القران الكريم مع ذكر مواضعها

العرضة الأخيرة

في شرحنا لإجابة سؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف تعرضنا لمصطلح (العرضة الأخيرة)، والمقصود بالعرضة الأخيرة أن سيدنا جبريل -عليه السلام- في كل عام في شهر رمضان يستعرض ما أقرأه اياه النبي -صلى الله عليه وسلم- من القرآن حسب الترتيب الذي بينها له لا على حسب ترتيب النزول.

إلا في شهر رمضان الأخير في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- عارضه جبريل القرآن كله مرتان، سورة بسورة وآية بآية وسميت تلك المعارضة بـ “العرضة الأخيرة” وعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما جاء بها أصحابه وثبتت في المصحف، الذي شرحنا قصة جمعه حتى وصل إلى أيدينا.

ترتيب الأحزاب والأجزاء

أما إذا كان المقصود بسؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف من ناحية  ترتيب الأجزاء والأحزاب والأرباع.

فكما ذكرنا سابقًا أن ترتيب السور وراء بعضها كان توقيفيًا بأمر من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكنهم لم يقسموا المصحف إلى أجزاء وأحزاب، فقط كانوا يضعون السور وراء بعضها وإذا انتهت السورة وبدأت السورة التالية لها يضعون في بدايتها البسملة عدا سورة التوبة فلم يوضع لها بسملة بأمر من الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

أما من ناحية الأجزاء فكانوا يقسمونه على أيام الأسبوع للتلاوة، ويجعلون كل يوم لهم ورد يسمونه حزب، وأخذ هذا الفعل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ففي الحديث الذي رواه أوس بن حذيفة الثقفي أنه قال:

“كنتُ في الوفدِ الَّذين أتوُا النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فذكر حديثًا فيه أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كان سمر معهم بعد العشاءِ، فمكث عنَّا ليلةً لم يأتِنا، حتَّى طال ذلك علينا بعد العشاءِ، قال: قلنا: ما أمكثك عنَّا يا رسولَ اللهِ؟ قال: طرأ عليَّ حزبٌ من القرآنِ، فأردتُ ألَّا أخرجَ حتَّى أقضيَه”.

فسألنا أصحابَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حين أصبحنا ، قال : قلنا كيف تُحزِّبون القرآنَ؟ قالوا: نُحزِّبُه ثلاثَ سوَرٍ، وخمسَ سوَرٍ، وسبعَ سوَرٍ، وتسعَ سوَرٍ، وإحدَى عشرةَ سورةً، وثلاثَ عشرةَ سورةً، وحزبَ المُفصَّلِ من ق حتَّى يختِمَ” (ابن ماجه 1345).

أي أن النبي كان يقسم القرآن على أيام حتى يختمه تلاوة، ويسمي الورد الذي يقرأه في اليوم حزبًا، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يقسمونه على هذا النهج لسبعة أحزاب هم:

  • الحزب الأول: أول ثلاث صور في القرآن.
  • الحزب الثاني: خمس سور تالية.
  • الحزب الثالث: سبعة سور بعد الخمسة.
  • الحزب الرابع: السور التسع التالية.
  • الحزب الخامس: إحدى عشر سورة.
  • الحزب السادس: ثلاث عشر سورة.
  • الحزب السابع: من بداية سورة “ق” إلى نهاية المصحف.

هكذا كانوا يقسمون المصحف حتى يتسنى لهم تلاوته في أسبوع.

تقسيم الأجزاء على الصورة الحالية

أما تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وترتيبه على الصورة التي بين أيدينا حاليًا فليس توقيفي وإن من قام به هم التابعين (من عاصروا الصحابة ولم يقابلوا النبي -صلى الله عليه وسلم-).

فإجابة السؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف إذا كان يقصد بها الأجزاء والأرباع، فهم التابعين برئاسة الحجاج بن يوسف الثقفي بأمر من العبد الملك بن مروان.

كان هذا التقسيم من أجل تسهيل الحفظ والتلاوة، وقد راعوا فيه القدر فقط، فنجد في بعض الأحيان أن الربع يبدأ من بداية السورة أو أوسطها أو آخرها، فقسموا القرآن إلى ثلاثين جزء وكل جزء تم تقسميه إلى حزبين، أو أربعة أرباع.

كان اللحن قد أنتشر في ألسن الناس فأمر عبد الملك بن مروان -كان الخليفة حينها- الحجاج بن يوسف الثقفي بتشكيل لجنة لتشكيل القرآن ووضع الأحزاب والأجزاء، وكان أبرز علماء هذه اللجنة هم:

  • بعضوية نصر بن عاصم الليثي.
  • يحيى بن يعمر العدواني.

على هذا فإن ترتيب الأجزاء أمر توقيفي لأنها جاءت على ترتيب السور التي هي توقيفية، لكن تقسيم مواضع الأجزاء فهذا توفيقي باجتهاد العلماء.

شاهد أيضًا: من هو النبي الذي آمن به جميع قومه

بذلك نكون قد نقلنا لكم من خلال السطور السابقة أقوال الفقهاء في إجابة سؤال من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف الشريف، كما تناولنا الأحداث التاريخية والعوامل التي أدت إلى جمع القرآن، وأجبنا على نفس السؤال من أكثر من جانب حسب المقصد، ونرجو أن نكون قد قدمنا لكم النفع والفائدة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.